الشيخ محمد رشيد رضا

114

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وغيرهما . والجملة تفيد الحصر أو القصر كما قالوا . أي وربك غير الغافل عن تلك الأعمال هو الغني الكامل الغنى وذو الرحمة الكاملة الشاملة التي وسعت كل شيء أما الأول فبيانه أن الغنى هو عدم الحاجة وانما يكون على اطلاقه وكمال معناه بل أصل معناه لواجب الوجود والصفات الكمالية بذاته وهو الرب الخالق ، إذ كل ما عداه فهو محتاج اليه في وجوده وبقائه ومحتاج بالتبع لذلك إلى الأسباب التي جعلها تعالى قوام وجوده . وانما يقال في الخلق هذا غني إذا كان واجدا لاهم هذه الأسباب ، فغنى الناس مثلا إضافي عرفي لا حقيقي مطلق فان ذا المال الكثير الذي يسمى غنيا كثير الحاجات فقير إلى كثير من الناس كالزوج والخادم والعامل والطبيب والحاكم ، دع حاجته إلى خالقه وخالق كل شيء التي قال تعالى فيها ( يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ ، وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) وقد « كان اللّه تعالى ولا شيء معه » غنيا عن كل شيء « وهو الآن على ما عليه كان » غير محتاج إلى عمل الطائعين لأنه لا ينفعه بل ينفعهم ، ولا إلى دفع عمل العاصين لأنه لا يضره بل يضرهم ، فالتكليف والجزاء عليه رحمة منه سبحانه بهم يكمل به نقص المستعد للكمال روى أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة من حديث أبي ذر ( رضي اللّه عنه ) عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيما يرويه عن ربه عز وجل ( مما يسمى بالحديث القدسي ) أنه قال « يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ، يا عبادي كلكم ضال الا من هديته فاستهدوني أهدكم ، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم ، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم ، يا عبادي انكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم ، يا عبادي انكم لن تبلغوا ضري فتضرونى ، ولن تبلغوا نفعي فتنفعونى ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وانسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وانسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وانسكم وجنكم قاموا في صعد واحد فسألوني فأعطيت كل انسان « 1 » مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا دخل البحر « 2 » يا عبادي انما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها

--> ( 1 ) لفظ الانسان تغليب للاشرف ( 2 ) أي إلا كما تنقص الإبرة من ماء البحر إذا غمست فيه وأخرجت منه والمراد أنه لا ينقص بذلك من ملكه شيء البتة لأنه لا يخرج منه والإبرة لا تمسك شيئا من الماء بغمسها فيه لصفالتها مع صغرها أو شيئا لا يعتد به